الشاعر : نجيب صالح بالايي

 

 1 ـ أنا

أنا

صرت كل شئ

طفلا رضيعا

شيخا هرما

صرت عاشقا ،فاسقا

مخبولا،شرسا

مرة ثانية غدوت إنسانا  عاقلا

صرت صوفيا ،مريدا

وثانية صرت كافرا

فيلسوفا ، رسولا

صرت درويش طريق بعيد

صرت كل شئ

 

ولكن معك يا وطني

عشت دائما بعشق

ولم اغدو خائنا لقضيتي

ابدا .. ابدا ..

 

ـ 2 ـ

انا ..

صرت كل شئ

 صرت عاملا ، حدادا

افنديا ، قائدا ودليلا

صرت زنديقا

بعيدا عن طرق الاله والانبياء

صرت خبازا ..صحفيا

بائعا للصحف

لكن لم اصبح بائعا للوطن

ابدا .. ابدا

ـ3ـ

انا ..

صرت كل شئ

صرت جبانا ، جنا

صقرا ، بائسا

في حرب الحرية

خبأت راسئ في جحور الفئران

صرت نتنا من القمل

 صرت بطلا ،

حذوت طريق الصناديد

ولكن لم اصبح مخادعا

والعب بدم الشهداء

ابدا ... ابدا

ـ4ـ

انا ..

صرت كل شئ

صرت سفيرا ، حامي الحقوق

مسافر الطرق البعيدة

عوام البحار المالحة

صرت سمكة ، سمكة صغيرة

وصعقتني الاف الامواج والضربات

ولكني لم اصبح

آكل الاسماك البريئة

ولم اصبح وحشا

 ابدا .. ابدا

 

ـ5 ـ

انا ..

صرت كل شئ

صرت طائرا

عبدا ضالا..

صرت فراشة ،

لاجل النور رفيقا

غدوت وحشا ...

ساهدا ...

و لذي الحاجة  استغاثة

انا واحد وصرت الفا

ولكني لم  اصبح ظالما

ابدا .. ابدا

 

 واخيرا ..

الخائن ، بائع الوطن ، المخادع

الوحش والظالم

صاروا اصابعي الخمس

وهذه اليد

منذ عشرون عاما بترتها

منذ زمان غابر

ولهذا ينادونني اليوم

يقولون لي :

ايها الخان ..يا صاحب الكف الذهبي

ايها الخان ..يا صاحب الكف الذهبي

------

 

2 ـ " ثورة العشاق "

 

صباحاً...

كانت خيوط الشمس الذهبية

امسكت  بيديها،

جدائل المساءات الكئيبة

صباحاً...

كانت ورود السوسن

تثقب أكداس الجليد

صباحاً...

انبعث العطر المقدس

من قامات النرجس

وانفجرت أمواج المرح

من شفاه العشاق.

صباحاً...

بدأت ثورة العشاق

لحد مجيء المساء...

ولقي الآلف العشاق مصرعهم

حين تغلغلت السعادة في أحشائهم

حباً ببدايتها،

حينما علمت...

بان العشاق كانوا بلا أهل،

بلا أصدقاء...

وبيرقهم هو النرجس...

ونشيدهم من مكابداتي...

ورمزهم نار خامدة...

وقاعدة ثورتهم...

وديار حياتهم...

وحش مفترس يلتهم الأسماك

والوحش  بقلب إنسان

و الإنسان هو لص

أيتها العروسة الثلجية...

ياثورة العشاق...

اعلم بان حاملة رايتك

فتاة ذو مهر باهض،

وتخفي الحقيقة...

ولهذا اليوم...

كل العشاق والأحباب جياع

لكن اعلموا جيداً :

بان العشاق هم أصحاب الحقيقة

وهم سنابل ذهبية متراقصة...

ولأجلهم غدا وطني بيدراً

ولأجلهم غدا وطني بيدراً

------

 

3 ــ العودة

 

في هذه العودة

العودة إلى هذا التراب

ثلاث مراحل كانت

ـ المرحلة الأولى...

مطار العواصم عديمة الضمير

ومشاجب الحسرات العميقة

 

ـ المرحلة الثانية ...

الحدود التي لم أكن اعرفها...،

وما كانت لتستقبلني.

ـ المرحلة الثالثة...

باحة بيتنا

وعدم احتضان للوجه الباسم

لتلك الطفلة

حين كانت تطلب مني

هدايا كثيرة.

***            ***

في هذه العودة

العودة إلى هذا التراب

ثلاث أهداف كانت...

ـ الهدف الأول...

إكمال تلك ألألاعيب

التي ظلت نصف مكملة

في صبانا.

 

ـ الهدف الثاني...

مصالحة أولئك الأصدقاء

الذين كنا نتصارع معهم

في الحقول والمراعي

وعلى سطوح بيوت القرية.

 

ـ الهدف الثالث...

إرسال رسالة الحب الأول

الذي علاه الغبار

في صندوق بريد الخداع

***               ***

في هذه العودة

العودة إلى هذا التراب

ثلاث أمنيات كانت

 

 

ـ ألأمنية الأولى...

كسر وتحطيم

أسر ذلك القدح

الذي احتسيناه

برفقة الأصدقاء

على طاولة المنافسة

ولم نرتشفه حتى نهايته.

 

ـ الأمنية الثانية...

رؤية واحتضان

تلك الأم التي استضافت

خارطة الغربة

وعلى عتبة الموت

كانت في انتظار رؤيتي.

 

ـ الأمنية الثالثة...

لملمة تلك  الذكريات

التي كساها  برد الخريف

وغدت راقصي عريس

اغتالته أيادي الأعداء

في غرفة الحمام

وعروسا..

تعرضت للاختطاف

في ليلة عرسها.

-----

 

4ـ الاحتراق

 

 حين كنت طفلا

سرقت حجر القدح

من غليون وكيس تبغ والدي

كي ألهو  به ،

لأني لم أكن أعلم

الغاية منه

وقدح من حجر القدح شرارة

من داء الجهل

أحرقت  بيدر القرية.

***     ***

حين بلغت سن الرابعة عشرة،

صرت مراهقا

وتهت في عالم العشق

ربما لم أكن أعرفه جيدا

وبداء الهوى الأحادي الجانب

أحرقتُ فؤادي.

***         ***

حين بلغت سن الرشد،

وأصبحت أبا

من كل أنواع الحياة

اخترت عالم السياسة

ولكوني لم أغص في بحوره

بنار الجهل

أحرقت وطناً.

-----

 

5 ـ أنا وأنت والقصيدة

 

أنا وأنت وقصيدة غير ناضجة

وعلى عتبة الحياة

        غدونا لاجئين

أنا وأنت وتلك القصيدة

طُرٍدنا من داخل إطار

     هذه الحياة

فلم تبق في أي مكان

قدسية،

لا لمسجد ولا لكنيسة

لا لكتاب مقدس ولا لرسول

وفي ليلة سمر

كي نلهي الأطفال

كي ننقذ القافلة بالعبور...

ونقطع الحدود

التجوال والرحلات والسفرات الثلاث

لملمت الابتسامة على شفاه

الألم والوجع

قبالة الخنادق المتقابلة

صرنا دروعا

سقطنا نحن الثلاثة

شهداء

القصيدة بجسدها

وأنا باسمي

وأنت بهامتك

وبهذه الشهادة أشرقت شمس

وأشعتها أذابت الغربة

والعبودية

والمكابدات والأوجاع

أنا وأنت وتلك القصيدة الناضجة

وعلى عتبة الحياة صرنا لاجئين

وطردنا من ثنايا إطار الحياة.

------

 

6ـ ليلة من ليالي (براغ)

 

الإهداء الى روح الشهيد الخالد (قاسملو)

 

في ليلة رومانسية

بين أحضان الأضواء الزاهية

وبرفقة رقصة مذبوحة  الجدائل

في ثنايا شقوق انتشار

ألحان سيمفونية (قادر ديلان)

لمحت صورتك...

في قطع بلورات الكريستال

كانت الرغبات تهطل من نوافذ المعارض

وكانت تفوح منها عطر الوطن

رأيت خاتم الخطوبة في إصبعك.

 

في شوارع هذه المدينة المرجانية

وعلى لوحات التاريخ

لمحت آثار رحلاتك.

 

في تلك المقاهي

حيث الكراسي من خشب

سنديان (اورمية)

كانت  استراحاتك  تصدح

وعلى طاولة الذكريات

رماد سيجارتك

كان هناك.

 

في المسرحيات الكوميدية

لهذه المدينة

كانت هناك ضحكاتك

في التراجيديا

بكائك لم يكن قد رحل بعد

في قطار أسفارك

غير المنتهية

مازال مقعدك الأحمر خاليا.

 

وفي نوادي هذه المدينة

جدائل كمنجة (ديلان)

في جانب ما

وفي الآخر

لاسمك معلقة

من طراز جراحات الحرية

ومن التاريخ الدامي

ربيع دون عشق

وخريف ملتحف بالوجع

كان يصرخ.

 

وفي المتحف العسكري لهذه المدينة

كان هناك ثلاث علب ذخيرة

ظالمة

على شواطئ بستان (فلتافا)

جلساتك ونزهاتك ولقاءاتك

بسطت سجادتها

ومعبدها كان تراب الوطن

وحرية اليوم المنتظر

ولكن واحسرتاه

رحلاتك الطويلة...

وأمنياتك غير المنتهية

لم تعزف على هجران عرسك

وبثلاث رصاصات

من جحيم

قتلة الكفوك

أسدل الستار

لكن ولم تنته!!!

-------

7- الهوية

 

في هذا الوطن

وعلى هذا التراب

عصا المعلم

وضرب الوالدين

لم أقو على حمل هوية

الطفولة

***      ***

في هذا الوطن

وعلى هذا التراب

حين شببت عن الطوق

لا كسل القرى

وافتراق العوائل والأفخاذ

ولا الحيطان التي تتنصت

جعلتني صاحب عشق

***     ***

في هذا الوطن

وعلى هذا التراب

 حين صرت عريسا

ثالثنا المسمى (الم الانفال)

حل ضيفا على سرير عرسي

ولم اهنأ بليلة الدخلة

***    ***

في هذا الوطن

وعلى هذا التراب

حين أصبحت أبا

بشرة الخوف

وأديم الوحوش

لم يسنحا لي  أن أدلل طفلتي

***    ***

في هذا الوطن

وعلى هذا التراب

حين غزا الشيب مفرقي

لا ظلم المحتلين

ولا حرب الإخوة الأعداء

جعلاني  

بكلمات الحرية

أبارك 

بطولات شعبي

ولهذا غدوت لاجئا

وهجرت الذكريات

ومن تراب وطني أصبحت

                  منبوذاً

وغريباً

وبعيداً عن أحبتي.

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

8 ـ وطن من زهر الرمان

 

ما بين الطبيعة والرب

كنت مملكةً تائهة

وما بين الإنسان والرغبة

كنت وطناً ضائعاً

ما بين المسيح المصلوب

و مريم العذراء

أنت دعاء هائج مضطرب

أيها البرعم الخجول،

ولدت..وعشت محروماً من الحياة..

أيها الزهر الذابل في موسم النضج

في موسم الحصاد

غدوت عقيماً.

****                        ****

لم نألف  كالقمر

التصدي للشياطين

كي تظلين يا (حبة الرمان)

ملكة للجمال الأبدي

ولم نألف كالنحلة

أن نحط بفخر على اوراقك

و من أجل عسل طبيعي

نلقي السلام على كل الأزهار

العالية..الدانية

الأليفة..المتوحشة

دون تفرقة وبكل الالوان

الحمراء  والصفراء  والبيضاء  والبنفسجية

نشرع في بناء خلية

متساوية الاضلاع

لم نألف كالفراشات

أن ننثر بذور المحبة ،

على برعم صدرك

ومن أجل نشر بذور الحب

نرتشف برقة ندى أوراقك الصباحية

لم نألف كالطيور

أن ننشد أناشيد الجمال

لتبدو كرمانتين

وتصبح حبة رمان

ونسرد للأجيال المنسية

قصص خريف الانبعاث

ولم نألف كالأزمنة الربيعية

أن نلملم صفحات السقوط والذبول

عن وجنتيك

وننهل شراب الحياة من شفتيك ونفجره،

أيها البرعم المعصور بأكف قاسية

البرعم الذابل في موسم النضوج

في موسم الحصاد

غدوت عقيماً.

****                    ****

لأجل أن تميز بين

عطر وعبير الرمان والنرجس

عليك أن تسرد قصة

بم..بم  ،حذار فرائحة الغريب تفوح

بم..بم، والطبخ يحترق

تعلّم..

ألا تمزج دماء الشهداء معها

فعليك أن تتعود ارتشاف النبيذ

وتعرف الزمن

بين ينعة الأزهار ونضوج حبة الرمان

وتخمن ثمنها

عليك أن تكون فارساً مغواراً

حتى تميز جمال القمر من حبة الرمان

وأن يكون اسمك مكتوباً في الأساطير

أيها الزهر الذي يصبح حبة

في ثلاث مواسم

وفي الموسم الرابع يغدو بلسم جراح

وقصصاً تروى للاطفال المؤرقين ليلاً

ولعسس الليل

الذين لا يغفلون عن اللصوص..

أيها البرعم الرقيق

آه.. أيها الوطن

اعلم بأنك مررت عبر حمى الموت

وكانت حسرتك ورغبتك (عصير الرمان)

الرمان الحلو..الحامض

ولكني لا أجرؤ أن ألومك

لتربية هكذا بستاني

كي لا تحبل الأزاهير ربيعاً

والرمان يغدو عقيماً خريفاً.

****    ****

خلقت برعماً سعيداً

ولكن..ولدت وطناً سيئ الحظ

وتفتحت بلون العشق

ولكن! تيبست وطناً بلون الدم

أنت.. شتلة لشجرة الحياة

ذات سلام  وترحال

لكنك وطن منفي دون اسم أو عنوان.

أنت.. برعم بأوراق كالجمر

ولكنك.. وطن بشعب دون جهد وعزيمة

أنت.. برعم تجتاز الفصول الأربعة باقتدار وتخطيط

ولكنك..وطن حراسته بالاتكال على الرب

أنت.. برعم ناضج وتغدو رمانة حبلى بحباتٍ رقيقة

حلوة وحامضة..

ولكنك.. وطن فارغ من الرقةِ وملئ بأناسٍ عقيمين.

أيا برعماً يتعهد المرضى في موسم الربيع

ويغدو دواءً في مواسم الخريف والشتاء

أيها البرعم المقدس..

يا بقايا النار الأزلية

تصبح  للعشاق قلباً كبيراً

وموقداً مضيئاً بالجمر

لتلك الأيادي التي تريد  قطافك

جعلت نفسك عرضةً لخداع البشر

ولهذا بلغت قرارك بأن :

تغدو للعشاق درب الحقيقة

وجناتٍ موردة وشفاه قرمزية.

وأثداء غير ملطخة ومقطوفة

ونبيذ الانبعاث والسكارى

وللمخادعين موقد نار وعبوة يدوية

أيها الزهر الذابل في موسم النضوج

في موسم الحصاد

غدوت عقيماً.

****      ****

أنت أيتها الغمامات

 اعصرن ذواتكن

وأنت أيتها السماء  أهطلي

فوجنات برعمي قد شحبت وجفت

ونفيق في الصباحات دون ندى

أيتها الجبال ادنن  بهاماتكن

فلم نلق خيراً من شموخكن

برعمي يقدس الشمس

وطهوره شعاع وضياء

وأنتم أيها البستانيون

تنحوا جانباً

فبرعمي لا يحب رؤية الكسالى

الذين يشيحون بوجوهم عن لصوص

(حبة الرمان)..

قادمين وذاهبين دون رقيب

وأنت أيها الربيع تزيَّن

كي نرتشف شراب الحياة خريفاً

ونسكر حتى النخاع معاً

وننتشي

كي يطل الشوق على أروحنا

ويبلغ الذوق الرفيع قلوبنا.

****            ****

أنت أيها القارب الصغير

عبرت نهر الحياة

في خضم الأمواج المخيفة والزوابع

تغطس تارة وتطفو تارة

موج بموج..حقل بحقل

حتى وصولك سواحل الأمان

أصبحت  قارباً كبيراً

إن لم تتهيأ  لرحلات البحر

ولم تفهم  تساؤلاته وأسراره

واللعب مع الأمواج

دون حراسة وخفر

دون راية أو عنوان

دون قبطان

تسير على متون الحيتان

وتقع في  قبضة قراصنة البحر

وتختطف بايدي هؤلاء القرصان

فهل لديك مصير آخر غير ذلك؟!

وأنت أيها البازيّ  المرفرف في العلا

ملك السماء

طبقة..طبقة

قطعة..قطعة تحلق

إن لم تعرف قيمة الأعالي

فهل تنتظر شيئاً آخر غير السقوط؟!

****           ****

أنت.. برعم بهي

في رقصة الربيع الزاهية

إن لم تعرف لوناً آخر

فماذا تستحق غير الذبول؟!

أيها البرعم الذابل في موسم النضوج

وفي موسم الحصاد

غدوت عقيماً.

يا برعماً بلون العشق

  والدم

      والنار

وصرخات الهلع والخوف

هذه المرة سـأصبح  بستانياً

أنتظر الخريف،

فإما أن تصبح رمانةً مليئة

بحباتٍ رقيقةٍ

وإما ستكون قنبلةً

وعبوة ناسفة

وتعلن قرار الانتحار

وتكون خاتمتنا معك

نهايتنا جميعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الشاعر نجيب صالح : مواليد 1962 / منطقة برواري بالا \ كوردستان العراق

ـ خريج كلية التربية ـ قسم الجغرافيا \ جامعة بغداد

ـ عضو اتحاد الادباء الكورد \ فرع دهوك

ـ له العديد من المقالات والاسهامات الشعرية في الصحف والمجلات الكردية

ـ شارك في مهرجانات شعرية  عديدة واحياء ندوات ادبية في كوردستان

ترجمة القصائد من ديوان الشاعر أسطورة أغاني الاضطهاد والصادر ضمن سلسلة منشورات اتحاد الأدباء الكورد ـ فرع دهوك

ـ يعيش حاليا في اوربا

 

 

Designed by:Sumerart