|
بناء النص في شعر المزوري

بقلم :عبد الكريم يحيى الزيباري

هل يحتاج الشاعر الى اسناد؟ واي نوع من الاسناد نقصد؟ بالتاكيد لانقصد التصفيق وكلمات المديح والمجاملة الشاعر يحتاج الى دار نشر تتولى عملية نشر وتوزيع ديوانه الشعري، والى صحفي يعرض ديوانه المنشور، والى صفحة ادبية تهتم بابداعه والى ناقد يضىء النقاط الفنية في النص الشعري، ويتحدث عن اسقاط الشاعر لشخصيته في النص، وعن الادراك الذي تولد منه هذا الاسقاط، والى.. والى..
مدينة غراتس تقع في قلب اوربا وعلى نهر مور والذي ينبع من مقاطعة شتايامارك وتعد مدينة شعراء النمسا وكانت عاصمة اوربا الثقافية لعام 2003.
من قلب اوربا على ضفاف نهر مور النابع من مقاطعة شتايامارك، من مدينة الشعراء في اوربا من مدينة غراتس عاصمة اوربا الثقافية للعام 2003 ينشد لنا بدل رفو المزوري اغنية الشرق واساطيره، كتب بدل رفو قصيدة (الموصل احلى مدن التاريخ) ويجسد المكان للذين هجروا ديارهم، واقعاً ملتحما بحياة الناس هناك وما يعانونه من فقر وبؤس وحرمان وهدر للحريات واضطهاد، وبالمقابل تنمو فيهم مقاومة شديدة غير منظورة لاقتلاعهم من جذورهم، بكل ماتعنيه الغربة من اقتلاع وتشتيت ووحدة وانقراض للذات، فيتولد فيه عشق ينوء به الشاعر فيبوح به شعرا يتدفق شوقا وحنينا ليؤكد لنا انتماءه الروحي الحقيقي لا الجغرافي المادي فيرى في مدينة الموصل مالايراه سكانها الذين يعيشون فيها اليوم، هذا الشوق هو النور الذي يضيء ظلمة الطريق كلما ادلهمت الخطوب ، فالشاعر يحترق ليبعث من الرماد ثمرة الحب والامل، مقاوماً تطور الافكار التي تتعارض مع بيئته ونشأته، تغيير حدث له في عالم الغربة يقاومه بالعودة الى تراث المدينة التي احتضنت حبه الاول- وكم من منزل يألفه الفتى- المدينة التي نشأ فيها وقضى طفولته- مرحلة البراءة- وكل شيء يحمل معه نقيضه، فالانسان يولد حيا وهو يحمل معه موته، وكلمة- بارد- لا ادري كيف سيكون شرحها ان لم نقل نقيض - ساخن- ولشعراء الغرب أوطان جديدة وبالمقابل يفتقدون اوطانهم التي هجروها، وربما سعوا الى استحداث اوطان وهمية لتملأ الفراغ الذي يقلقهم، كما فعل الشاعر بدل رفو في قصيدة (وطن اسمه نافيفان) ونافيفان هو اسم لابنته، وهناك ادباء ينجحون في مقاطعة فعلية لتراثهم، وهناك من يفشل برغم محاولاته الجدية، ورفو في قصيدته هذه يحاول اعادة قراءة التراث من منظور حداثي او يحاول استقراء الحداثة التي يعيشها في مفردات تراث مدينته السابقة، والاصالة في اهم معانيها هي عودة لاشعورية الى التراث، وطريقته في تناول هذا التراث تشرح لنا عملية تطور الافكار من خلال الصور التي استقرت في الذاكرة، وبالطبع فان القارىء الموصلي سيكون اكثر تأثرا من غيره، لان شكلنة الشواخص التراثية في ذهنه ستأخذ بعداً يتعاكس مع القارىء الذي لايعرف تاريخ سيد عبد، فعندما يقرأ عن صقور الحضر سيعرف انه يقصد ساحة صقور الحضر، التي كانت تزدحم بالمارة والسيارات، كانت قلب السوق النابض بالحياة، ثم ألغيت هذه الساحة ورفعت تماثيل صقور الحضر، قبل الاحتلال، والان هو شارع ملىء بالحواجز الكونكريتية والاسلاك الشائكة، وعندما يذكر سيد عبد الحافي القدمين ذا الاصبع المبتورة، والملابس الرثة، وهو ماتبقى من السادة الصوفية في مدينة، كانت تزخر بهم، ذلك السيد الذي يوزع الحلوى يوما على النصارى ويوما على المسلمين، يوما على الطائفة اليزيدية، ويوماً على النساء السافرات واخر على الشباب، واخر للاطفال، وهو يغير مكان التوزيع الذي يكون فيه ويمشي لمسافات طويلة على قدميه، وهو يقول بانه مكلف بهذا العمل ولديه من المريدين والتلاميذ الكثير، ولديه من المرضى المراجعين الكثير، وهو قد صار احد معالم مدينة الموصل لايقل اهمية عن منارة الحدباء، وبالتاكيد بعد وفاته ستحاك حوله الاساطير والقصص كسيد حياوي والسيد الرضواني والغزلاني، وقبل ان ألج الى قراءتي أورد متن النص الشعري:
(لك ياعشق الروح.. واغاني العيد.. وطفولتي البائسة.. حلم الحرية.. لك ياصباحات الموصل الحزينة.. ياعشق الازمنة المتكسرة.. في عمق عيون الغيد الحسان.. اما زالت شوارعك مكتضة بالعشاق.. وتغفين في كف عفريت.. اما زالت ابوابك مشرعة.. من باب سنجار.. وعبد ذو الشعر الكثيف.. يوزع السكاكر للمارة اما زال الموسيقار.. ملا عثمان الموصلي.. منتصبا تحت المطر في محطة.. القطارات.. وباغنية موصلية يستقبل زوارك.. اما زالوا انبياءك.. يونس وجرجيس وشيت ودانيال.. يغطون في نوم عميق.. والكلاب المسعورة تنهش.. اوصال عشاقك؟ اما زالت قلعة باشطابيا.. شامخة كشموخ الحدباء.. وتشهد على حبي الاول؟ ياعشقي الكبير.. وطفولتي البائسة.. منك وفيك حضارات الدنيا.. ياصقور الحضر..).
لدي اعتراض اسجله، ففي البداية كلمة مكتظة باملائها الصحيح(مكتظة) كما قال الشاعر ابو الفضل الوليد (1)
الدرع بالنهدين مكتظ
والخصر مثلي ماله حظ
وجملة (في عمق عيون الغيد الحسان) لو كانت (في عمق عيون الغيد الحسان) فالغيد جمع غيداء، وكا قال الشاعر ابن ابي حصينة (2):
كان الحسان الغيد جزن بأرضها
فألقت عليها كل غانية عقدا
وقول الشاعر الاخرس (3):
هيف من الغيد الحسان سوانح
من كل داء يا أميم عضال
وسيد عبد ذو الشعر الكث لا الكثيف لم يوزع السكاكر ولايوزعها بل يوزع الحلوى(حامض حلو محلي الصنع) والشاعر يعرف جيدا انه يوزع الحامض الحلو لانه درس في متوسطة الحرية في منطقة باب سنجار ويلتقيه يوميا ولكن للضرورة الشعرية حكمت باستبدال الحامض حلو بكلمة السكاكر، وهو بهذا تجاوز اللغة الشعبية وهو ماركز عليه الشاعر رعد فاضل في قصيدته (حين نقرنا دفوف الكآبة)(4) حين أدرج لفظات شعبية متداولة في نصه (الباجة وهي اكلة شعبية- المالج وهي اداة لصقل السمنت على الجدران يستخدمها اللباخون) وفي (شامخة كشموخ الحدباء) كان التكثيف اجمل واوسع دلالة لو قال (شامخة كالحدباء).
والاسقاط هو ظاهرة فريدة يخلع بها الشاعر او المبدع مضمونا من حياته الداخلية على شيء او كائن في العالم الخارجي فالشاعر يعبر عن غربته بعشقه لمدينته القديمة، ويعبر عن جفاف عيده الحزين بعيد مدينة الموصل واغاني العيد، يوم هجرها وليس اليوم، ويعبر عن غناه ورفاهيته الان بتذكر طفولته البائسة والتي لم تكن بائسة الا بقدر ماتوفر لاولاده من مفردات حياة لم تتوفر له في طفولته، ولا اعلم فالطفولة البائسة يتغنى بها كل المبدعين منذ طه حسين فكأنني لم اعثر على اديب لايمتلك طفولة بائسة دفعته الى الامام، ومهما كانت طفولته سعيدة سيذكرها بائسة وتعيسة، نسبة الى ماوصل اليه ولو بقي في فقره وجهله وتهميشه كالكثير لقال (طفولتي السعيدة) نسبة الى ماوصل اليه من تعاسة وحرمان، وهذه الحقائق الاسقاطية المترسخة في اللاوعي تصير بمرور الزمن لاتقل اهمية عن الادراك الحقيقي المادي، ونبني عليه كثيرا من مواقفنا ونحن لانعلم مدى تأثيرها الفعلي، ويقول عالم النفس يونغ اذا (كان الادراك هو مايتلقاه الانسان من العالم الخارجي عن طريق الحواس، كان الاسقاط هو مايخلعه على العالم من سرابات واوهام داخلية تعترض سبيل الادراك حتى ليفسد الشـــــيء المدرك، ويعدل منه ويبذل فيه، لابل يزيله لكي يحل محله الشيء المضفى)(5).
عبد الكريم يحيى الزيباري :كاتب من العراق |